الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

494

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

إن الحكمة الإلهية في استيثاره تعالى بعض العلم لنفسه إلا إذا بد اللَّه تعالى ، هو أنه تعالى استعبد الخلق بذلك بأن أعلمهم علوما بلسان أنبيائه وحججه ، وأخفى عنهم علوما ليتعبدوا بذلك له تعالى ويخافوا من غامض علمه المكنون ، فيما أعلمهم هو علما يمكن فيه البداء كما دلت عليه أحاديث البداء ، فالخلق وإن كانوا عالمين به إلا أنهم لمكان البداء مشفقون منه تعالى ، وهذا بخلاف ذلك العلم المستأثر لنفسه تعالى ، فإنه إذا بدا للَّه تعالى وخرج لأحد من حججه نفد ولا بداء فيه . ففي الكافي بإسناده عن حريس قال : سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول : " إن للَّه علمين : علم مبذول وعلم مكفوف . فأمّا المبذول فإنه ليس من شيء يعلمه الملائكة والرسل إلا نحن نعلمه . وأما المكفوف فهو الذي عند اللَّه عز وجل في أم الكتاب إذا خرج نفذ " . فيعلم منه : أن العلم الموصوف بأنه في أم الكتاب ، هو العلم الذي ليس فيه بداء ، وهو إذا خرج نفذ أي لا رادع له من غيره تعالى بل هو من الحتم . وأحسن حديث يشرح هذا المعنى ما فيه أيضا بإسناده عن سدير الصيرفي قال : سمعت حمران بن أعين يسأل أبا جعفر عليه السّلام عن قول اللَّه عز وجل : بديع السماوات والأرض 2 : 117 قال أبو جعفر عليه السّلام : " إن اللَّه عز وجل ابتدع الأشياء كلَّها بعلمه على غير مثال كان قبله ، فابتدع السماوات والأرضين ولم يكن قبلهن سماوات ولا أرضون ، أما تسمع لقوله تعالى : وكان عرشه على الماء 11 : 7 ؟ فقال له حمران : أرأيت قوله جل ذكره : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا 72 : 26 ؟ فقال أبو جعفر عليه السّلام إلا من ارتضى من رسول ، وكان واللَّه محمد ممن ارتضاه . وأما قوله : عالم الغيب 72 : 26 فإن اللَّه عز وجل عالم بما غاب عن خلقه ، فيما يقدر من شيء ، ويقضيه في علمه قبل أن يخلقه ، وقبل أن يفضيه إلى الملائكة ، فذلك يا حمران علم موقوف عنده إليه فيه المشية ، فيقضيه إذا أراد ، ويبدو له فيه فلا يمضيه ، فأمّا العلم الذي يقدره اللَّه عز وجل فيقضيه ويمضيه ، فهو العلم الذي انتهى إلى